فوزي آل سيف
20
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
خمسة وعشرون عاماً حافلة بالأحداث ومليئة بالقضايا، منها عشرة أعوام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله، وخديجة معه في كل مواقفه، تؤيده وتدعمه، وتعطيه صفوة مالها.. كم كان هذا المال مباركاً به ينعش الله فقراء المسلمين في ذلك الوقت الذي كان بعضهم لا يجد قوت وجبته، وبه يحرر العبيد المؤمنون الذين كانوا عرضة للهلاك تحت أيدي جلاديهم، ولم ينقل التاريخ لنا أن خديجة قد تكلمت يوماً عن هذا الأمر، بينما نقل عن بعض المسلمين من (أهل الألوان والأصباغ) أنهم كانوا إذا فعلوا خيراً علقوه على رقابهم ومشوا به بين الناس وربما منّوا على من فعلوا لهم ذلك الخير!!. ولهذا لم يكن غريباً أن تبقى ذكرى خديجة في قلب النبي صلى الله عليه وآله، وذكر خديجة على لسانه إلى ما بعد الهجرة - أي بعد وفاتها بأكثر من خمسة عشر عاماً - مع وجود عدد غير قليل من النساء معه، ولكنه قد رُزق حب خديجة، كما قال صلوات الله عليه. خديجة الطاهرة: الالتزام في المجتمع الطيب شيء ليس بالعسير، والفضيلة في محيط طاهر أمر قد يستطيعه الكثير، لكن الالتزام الديني في مجتمع الانحراف، والتمسك بالطهر في مجتمع الجاهلية أمر صعب، وفاعل ذلك ينبغي تقديره باعتبار أنه يسير نحو القمة مع أن الموج يخالف اتجاهه، ويقاوم مسيرته الصاعدة. وخديجة بنت خويلد عليها السلام كانت من هذا النوع، فالمجتمع الذي عاشت فيه كان محيطاً موبوءاً بالمعصية والانحراف، وكان أمر البغاء والزنا شيئاً لا يتورع عنه كبار القوم في قريش فما ظنك بصغارهم، وكانت ذوات الرايات جزءا من النسيج الاجتماعي المألوف، لكن المعدن الطيب لهذه المرأة الصالحة ورجحان عقلها «إذ إنه كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع..» وخديجة كما هو مفاد حديث[40] لرسول الله صلى الله عليه وآله، جعلها تسلك طريق الكمال والفضيلة والطهر حتى لقد لقبت في أيام الجاهلية وقبل مجيء الإسلام بـ (الطاهرة). وفي هذا الطريق الطيب نراها عليها السلام تبحث عن طاهر تعيش معه، وكان قد ملأ إهابها إعجاباً ما تسمعه عن محمد بن عبد الله، هذا الشاب المتميز في المجتمع المكي، والذي لا يشبه أحداً ولا يشبهه أحد، في كمال خلقه وفي مفارقته للجو العام الجاهلي السائد في المجتمع المكي، وبدأت تفكر في كيفية مناسبة للتقرب منه، وهذا ما يشير إلى كمال عقلها فإنها لو استسلمت للجو العام لما عدت أصحاب المال المعدمين أخلاقاً، وأصحاب الجاه الاجتماعي ورؤساء القبائل، ولكنها نظرت بعيداً، وكذلك أيضاً لم تترك العادات والمألوف هي التي تقرر مصير مستقبلها، فإنا نلاحظ أن قسماً من الناس يفكرون بنحو جيد، ولكن تقيدهم العادات، وتحاصرهم التقاليد، فتسوقهم إلى اتخاذ قرارات على غير قناعاتهم، مثل أن المرأة ينبغي في موضوع الزواج أن تكون منفعلة، ومنتظرة فإن جاء رزقها كما تحب وإلا فهي لا تستطيع أن تحرك ساكناً إلا أن هذه المرأة النموذجية بدأت تفكر في كيفية مناسبة للقرب من محمد، لا سيما وهي تسمع كلاماً هنا وهناك أن رسولاً سيبعث في أم القرى، وإذا قُدر ذلك في زمانها فمن سيكون أولى بهذه المنزلة من محمد؟.
--> 40 قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والأخبار 4/ 67 «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربعة آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد...» قلت: رواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمرو بن مرة فقال حدثنا سليمان بن أحمد ثنا يوسف القاضي ثنا عمرو بن مرزوق ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمع مرة يحدث عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع.. انتهى كلام الزيلعي. أقول: الغريب أن البخاري ومسلما قد اقتصرا على ذكر مريم وآسية!! وكأنهما استكثرا أو الراوي على خديجة وفاطمة أن تكونا كاملتين كمريم وآسية!! وأما غيرهما فقد جعل الكاملات ثلاثا!!، فقد نقل ابن كثير في تفسيره 1/ 371.. من طريق شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد!!.